رسم لدماغ مضيء تتفرع منه وصلات وحروف عربية.
→ العودة إلى التحليلات

صعود الذكاء الاصطناعي العربي المتقدم

يثير تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي العربية في السعودية والإمارات أسئلة حول السيادة والتقييم والسلامة واستخدام هذه النماذج على نطاق إقليمي.

◆

أتعمق منذ فترة في دراسة بعض الاتجاهات الناشئة في الذكاء الاصطناعي الخليجي، وخصوصاً تطوير النماذج العربية. وتستند هذه الورقة إلى جانب من ذلك البحث، وتهدف إلى إتاحة طيف واسع من أبحاث العلوم السياسية والأبحاث التقنية المتعلقة بالنماذج العربية لجمهور أوسع. وأرحب بتواصل القراء المتخصصين تقنياً وتعليقاتهم وتصويباتهم بشأن أي جوانب ربما فاتتني.

تعمل السعودية والإمارات على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية تقترب سريعاً من حدود القدرات الأكثر تقدماً، وتستطيع الاستدلال عبر طيف واسع من اللهجات العربية. وإذا أصبحت هذه النماذج قادرة فعلاً على منافسة النماذج الرائدة عالمياً، فقد تبدأ دول الخليج في مراكمة مزايا لا تتطلب مضاهاة الولايات المتحدة أو الصين في كل طبقة من طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي.

والأهم هو ما إذا كان الاستدلال باللغة العربية يمكن أن يصبح بحد ذاته مصدراً مستداماً للقدرة التقنية، خصوصاً أن التقييم والسلامة وتطوير النماذج باللغة العربية لا تزال أقل نضجاً من نظيراتها باللغة الإنجليزية.

سياسات بناء نموذج عند حدود القدرات المتقدمة

فاجأت شركة «هيوماين» السعودية كثيراً من المراقبين الأسبوع الماضي بإطلاق humain-m3، وهو نموذج ببنية «مزيج الخبراء» يضم 428 مليار معلمة، وينحدر من نموذج MiniMax-M3، وخضع لتدريب مسبق إضافي على أكثر من تريليون وحدة نصية من محتوى أُنتج أصلاً بالعربية. وتقدّم هيوماين نموذج M3 بوصفه نموذجاً عربياً عند حدود القدرات المتقدمة، وإن كان هذا الادعاء يحتاج إلى مزيد من الاختبارات المستقلة خلال الأسابيع المقبلة. كما يشكّل اختيارها MiniMax تحولاً عن مسارات سابقة لتطوير النماذج العربية في الخليج.

بُني نموذج «علّام» السعودي على Llama 2 من ميتا، بينما طُوّرت مشروعات إماراتية بارزة، مثل «جيس» و«فالكون»، بقدر أكبر من الاستقلالية داخل الإمارات.

نماذج الذكاء الاصطناعي العربية في الخليج، وعلاقاتها بالنماذج الأساسية، وسنوات إطلاقها وأحجامها المعلنة.
نماذج الذكاء الاصطناعي العربية في الخليج وعلاقاتها بالنماذج الأساسية. رسم من إعداد جيسي ماركس · عرض بالحجم الكامل

وينسجم الانتقال السعودي من ميتا إلى MiniMax أيضاً مع نهج هيوماين الأوسع في إتاحة خيارات أكثر من النماذج. فقد وصف الرئيس التنفيذي طارق أمين استراتيجية الشركة بأنها تقوم على توفير الوصول إلى «أفضل النماذج من الولايات المتحدة والصين وأوروبا ومنظومة المصادر المفتوحة»، بدلاً من ربط هيوماين بمورّد واحد أو بمنظومة تقنية تابعة لدولة واحدة.

تعليق طارق أمين على لينكدإن حول منصة هيوماين وإتاحة نماذج من الولايات المتحدة والصين وأوروبا ومنظومة المصادر المفتوحة.
طارق أمين حول منصة هيوماين التي لا ترتبط بنموذج بعينه. المصدر: لينكدإن · عرض بالحجم الكامل

وفق هذا التصور، يعكس الانتقال من Llama 2 في «علّام» إلى MiniMax في M3 قراراً عملياً باستخدام النموذج الأساسي الذي يمنح هيوماين أفضل قاعدة لبناء النظام الذي تريده. فهو خيار براغماتي، وليس تحولاً جيوسياسياً نحو نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية.

تكمن أهمية M3 في أنه يكشف التعقيد السياسي لبناء ذكاء اصطناعي عربي عند حدود القدرات المتقدمة. فقد أنفقت دول الخليج مبالغ ضخمة لتعزيز سيطرتها على الحوسبة ومراكز البيانات والطاقة والكفاءات، لكن جانباً كبيراً من هذه البنية التحتية لا يزال مرتبطاً بالعتاد الأمريكي وبمنظومة الذكاء الاصطناعي الأمريكية الأوسع. أما طبقة النماذج فصورتها أكثر تعقيداً. فالوصول إلى الحوسبة الأمريكية لا يعني أن نموذجاً أمريكياً سيكون دائماً أفضل أساس لنظام متخصص باللغة العربية.

ويأتي ذلك أيضاً في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحد من انكشاف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي المدعومة أمريكياً على التقنيات والنماذج الصينية.

يضع هذا مطوّرين خليجيين مثل هيوماين أمام خيار صعب. فالنماذج الصينية باتت أكثر قدرة، وأقل تكلفة نسبياً، وأسهل تكييفاً، لكن السلطات الأمريكية تتهم مطوّرين صينيين باستخدام التقطير على نطاق واسع لتحسين نماذج صينية مثل MiniMax وKimi وDeepSeek. ويُبنى HUMAIN M3 على أحد هذه النماذج، مع إضافة بيانات عربية وتدريب لاحق، ضمن منظومة لا تزال تعتمد بشدة على الحوسبة الأمريكية.

وقد يكون هذا أبرز مثال على منظومة تقنية هجينة، مع أن جانباً كبيراً من الطاقة والبنية التحتية لمراكز البيانات وبيئة التشغيل وأعمال التطوير الخاصة بالعربية يوجد في السعودية. وهنا يبرز سؤال جدير بالنقاش: متى يتوقف M3 عن كونه «نموذجاً صينياً مفتوحاً» ويصبح «نموذجاً سعودياً»؟ وقد نشهد هذا النقاش في المستقبل القريب.

في المقابل، تسلك الإمارات مساراً قائماً على التطوير المحلي عبر «فالكون» ومنظومتها البحثية الأوسع. فقد درّب معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي نموذج Falcon-H1 Arabic على بيانات أُنتجت أصلاً بالعربية، وتشمل الفصحى المعاصرة وعدداً من اللهجات الإقليمية. وبينما اعتمدت السعودية حتى الآن بدرجة أكبر على نماذج أساسية أجنبية، مثل نماذج ميتا وMiniMax، وطوّعتها للاستخدام المحلي، قطعت الإمارات شوطاً أبعد في تطوير عائلات نماذج خاصة بها ودمج بياناتها العربية.

ما أهمية الذكاء الاصطناعي العربي المتقدم؟

تستطيع معظم النماذج الرائدة بالفعل إنتاج عربية جيدة عبر طيف واسع من اللهجات. لكنها لا تستطيع، مع ذلك، الاستدلال باللغة العربية. وقد تحقق النماذج السعودية والإماراتية لاحقاً أداءً أقوى في الاستدلال بالعربية، خصوصاً في المجالات التي تتأثر فيها جودة الإجابة باللغة واللهجة والسياق الإقليمي. ويشمل ذلك تفسير النصوص القانونية، والإدارة الحكومية، والتمويل الإسلامي، والسياق الاجتماعي، وتاريخ المنطقة، والانتقال بين الفصحى المعاصرة ولهجات الحياة اليومية.

إن نموذجاً يتفوق بصورة ملموسة في هذه المجالات سيمنح دول الخليج قدرة قد تعجز مختبرات النماذج المتقدمة الأجنبية عن محاكاتها بمجرد ترجمة نموذج يتمحور حول الإنجليزية إلى العربية. كما سيكون أيسر استخداماً للناطقين بالعربية في سياقات متنوعة.

اختبر معيار حديث لتقييم اللهجة السعودية نماذج Claude Opus 5 وGemini 3.7 وGPT-5.6 وKimi K3، باستخدام مطالبات صاغها خبراء وتتناول التعبيرات الاصطلاحية والتداولية والمفردات والمعاني المرتبطة بالثقافة. ولم يتجاوز أي منها 55 في المئة في النتيجة الإجمالية. كما نشأ كثير من الأخطاء من سوء فهم مقاصد المتحدثين في سياقها، لا من مجرد تقديم معلومات خاطئة.

متوسطات نتائج معيار اللهجة السعودية: Kimi K3 بنسبة 53.1%، وGPT-5.6 بنسبة 52.6%، وGemini 3.7 بنسبة 50.7%، وOpus 5 بنسبة 42.7%. تبيّن أشرطة الخطأ الانحراف المعياري.
نتائج معيار اللهجة السعودية، مع أشرطة خطأ تبيّن الانحراف المعياري. المصدر: «ما وراء الطلاقة»، الشكل 1 · عرض بالحجم الكامل

تشير النتائج إلى فجوة بين إنتاج عربية طليقة والتفسير الموثوق لمقاصد المتحدثين السعوديين عندما يتوقف المعنى على اللهجة أو المستوى اللغوي أو السياق.

غسان الصميدعي، وسجاد عبدلي، وأحمد رشاد، وماكسيم ليغ، «ما وراء الطلاقة: معيار قائم على سُلّم تقدير لتقييم الكفاءة في اللهجة والثقافة السعوديتين لدى النماذج اللغوية الكبيرة»، مسودة بحثية على arXiv، رقم arXiv:2608.29990، 2026، https://arxiv.org/abs/2608.29990.

تتيح هذه الفجوة لدول الخليج مجالاً لتعزيز سيطرتها المحلية على طبقة النماذج. ويمكن تحسين أداء نماذجها العربية بمجموعة من المدخلات التي يصعب الحصول عليها من خارج المنطقة، ومنها بيانات عالية الجودة عن اللهجات الخليجية، ومصطلحات حكومية وقانونية، ولغة تقنية مستخدمة في قطاعات محددة، وملاحظات المستخدمين العرب.

وتزداد قيمة هذه المدخلات حين تقترن بالتدريب اللاحق والتقييم وعمل مهندسين يفهمون كيف تُستخدم العربية فعلياً في الحكومة والأعمال والمجتمع. ويصعب على المختبرات الأجنبية إعادة إنتاج كثير من هذه المعرفة اللغوية المحلية والمعرفة المؤسسية وخبرة التشغيل بالعمق نفسه.

ستعتمد القيمة طويلة الأجل للنهج السعودي على قدرة هيوماين على نقل ما تتعلمه من M3 إلى نماذج لاحقة. فقد لا تسيطر السعودية على نموذج MiniMax الأساسي، لكنها تستطيع مع ذلك بناء بياناتها العربية وأساليب التدريب اللاحق ومعايير التقييم وأدوات السلامة والخبرات الهندسية الخاصة بها حوله.

وإذا أمكن إعادة استخدام هذه القدرات لاحقاً مع نموذج أساسي مختلف، فستصبح هيوماين أقل اعتماداً على أي مورّد أجنبي بعينه، وستكتسب سيطرة أكبر على الطبقة العربية من المنظومة التقنية.

وتزداد أهمية ذلك إذا قيّدت الولايات المتحدة استخدام النماذج ذات المنشأ الصيني على البنية التحتية المدعومة أمريكياً، أو إذا انتقلت هيوماين لاحقاً إلى نموذج أساسي آخر. ويتمثل اختبار السيادة في قدرة هيوماين على نقل القدرات العربية التي بنتها حول M3 بين نماذج أساسية مختلفة، بدلاً من بقائها مرتبطة بـMiniMax.

تقييم نموذج عربي عند حدود القدرات المتقدمة

سيكون من الصعب قياس قدرات نماذج الاستدلال العربية باستخدام معايير إنجليزية مترجمة. فالترجمات التي تفتقر إلى السياق اللغوي قد تغيّر صعوبة السؤال، أو تزيل غموضه، أو تُسقط إحالات مهمة أو أنماط استدلال متأصلة في اللغة نفسها. كما تتباين العربية تبايناً واسعاً بين الفصحى المعاصرة واللهجات الإقليمية والمحلية المتعددة، التي قد يصعب أحياناً على متحدثيها فهم بعضهم بعضاً.

عملياً، يعني ذلك أن تقييم أداء النموذج على أساس الفصحى المعاصرة قد لا يكشف الكثير عن أدائه باللغة التي يستخدمها كثير من الناس فعلياً.

يتطلب معيار موثوق للاستدلال أن يصممه ناطقون بالعربية بلغتهم، بأسئلة ينبع معناها وسياقها وصعوبتها من العربية بصورة طبيعية، بدلاً من مطالبات إنجليزية مترجمة آلياً. ويمكن أن تستند هذه التقييمات إلى تفسير النصوص القانونية، والإحالات الثقافية، والمصطلحات الحكومية، وغيرها من المجالات التي يسهم فيها السياق في تشكيل المعنى.

ويتطلب بناء هذه التقييمات باحثين يفهمون أساليب تقييم النماذج، ويتقنون العربية بوصفها لغتهم الأم، ويجمعون بين هاتين الخبرتين لتطوير أساليب جديدة لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي العربية.

بدأت مؤسسات سعودية وإماراتية بالفعل بناء بنية تحتية واسعة للتقييم باللغة العربية. ويدير معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي منصة «قِمّة» (QIMMA)، وهي لوحة ترتيب للنماذج اللغوية العربية الكبيرة تخضع لضوابط جودة، وتقيّم عشرات النماذج باستخدام أكثر من 52 ألف عينة تشمل مهام ثقافية وقانونية وطبية، ومهام في السلامة والعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والبرمجة. واللافت أن نموذج Qwen الصيني تفوق على النماذج العربية الأخرى، بما فيها «جيس» الإماراتي و«كرنك» المصري، الذي بُني بدوره على Qwen.

ترتيب قِمّة للنماذج العربية في أبريل 2026: يتصدر Qwen3.5 برصيد 68.06، يليه كرنك برصيد 66.20 ثم جيس برصيد 65.81.
لوحة «قِمّة» لترتيب النماذج اللغوية العربية الكبيرة، أبريل 2026. المصدر: معهد الابتكار التكنولوجي / قِمّة · عرض بالحجم الكامل

كما طوّر باحثون يركزون على السعودية معايير جديدة للهجات، من بينها تقييم حديث للعربية السعودية يقوم على مطالبات صاغها خبراء لاختبار التعبيرات الاصطلاحية والتداولية والمفردات والمعاني المرتبطة بالثقافة. وتختبر جهود إقليمية أوسع، مثل DialectalArabicMMLU، النماذج الآن عبر اللهجات السعودية والإماراتية والمصرية والسورية والمغربية.

تسهم هذه الجهود مجتمعة في تركيز مزيد من البيانات العربية والخبرات في اللهجات والقدرة على اختبار النماذج داخل المنطقة.

لين القاضي، وأحمد الزبيدي، ومحمد اليافعي، وميثاء الحمادي، وشيخة السويدي، وعمر سيف الكعبي، وبسمة بوصاحة، وحكيم حاسيد، «قِمّة: لوحة ترتيب للنماذج اللغوية العربية الكبيرة تضع الجودة أولاً»، Hugging Face، 21 أبريل 2026، https://huggingface.co/blog/tiiuae/qimma-arabic-leaderboard.

إذا اتسع استخدام المعايير المطوّرة في الخليج، فقد تمنح الحكومات والشركات في أنحاء العالم العربي أساساً أكثر ملاءمة لمقارنة النماذج قبل استخدامها محلياً. ومن شأن ذلك أن يسهّل على النماذج الخليجية إظهار مزاياها في المجالات التي لا يزال أداء النماذج المتقدمة العامة متفاوتاً فيها، وخصوصاً اللهجات والسياق والاستدلال المرتبط بخصائص المنطقة.

الفجوة الناشئة في سلامة الذكاء الاصطناعي العربي

إذا كانت النماذج السعودية والإماراتية تقترب من حدود القدرات المتقدمة كما تقول الجهات المطوّرة لها، فإن ذلك يستدعي اهتماماً عاجلاً من خبراء سلامة الذكاء الاصطناعي بمخاطر استخدام هذه النماذج العربية في المنطقة. وحتى الآن، لا تزال معظم منظمات السلامة متمركزة حول مختبرات النماذج المتقدمة في الغرب. وقد زادت الإصدارات الحديثة لنماذج مثل Mythos وFable من أنثروبيك القلق بشأن سرعة اكتساب الأنظمة المتقدمة قدرات في العمليات السيبرانية وغيرها من المجالات عالية المخاطر.

وتستخدم جهات غير حكومية وجماعات إرهابية نماذج أمريكية رائدة لأغراض ضارة أيضاً. فقد وثّق تقرير أنثروبيك لاستخبارات التهديدات الصادر في سبتمبر 2026 استخدام خلية في اليمن، يُرجّح ارتباطها بالحوثيين، أداة Claude Code لدعم أعمال تتعلق بتوجيه الصواريخ والأسلحة. كما استخدمت جهات موالية للدولة الإيرانية Claude في المراقبة وتحديد الأهداف والرصد الداخلي. ويطرح ذلك اعتبارات مهمة لمستقبل سلامة الذكاء الاصطناعي في الخليج.

أولاً، يُرجّح أن يزداد خطر استغلال النماذج العربية المتقدمة من جانب مستخدمين ذوي نيات ضارة مع تنامي قدراتها. وهذا يجعل متانة ضوابط الحماية أولوية أساسية للمطوّرين الخليجيين. وتتيح العربية مسارات إضافية للالتفاف على تلك الضوابط عبر اللهجات والمزج بين اللغات والصياغات غير المباشرة والتعبيرات العامية، التي قد لا تستدعي استجابات السلامة نفسها التي تستدعيها الإنجليزية أو الفصحى المعاصرة.

في يوليو، أظهر باحثون في الذكاء الاصطناعي أن تحولات صغيرة نسبياً من الفصحى المعاصرة إلى اللهجة قد تتلاعب باستجابة النماذج وتتيح تمرير مطالبات ضارة. ويمكن للمستخدمين ذوي النيات الضارة استغلال هذه الفروق لإخفاء مقاصدهم أو إرباك النموذج أو إضعاف ضوابط حمايته.

بدأت معايير السلامة الخاصة بالعربية تكشف هذه الثغرات. فقد وجد SalamaBench، في تقييمه للنماذج العربية باستخدام أكثر من ثمانية آلاف مطالبة عبر فئات متعددة من السلامة، تفاوتاً كبيراً في طريقة تعامل النماذج مع الطلبات الضارة. وكشف ASAS، وهو معيار مستقل قائم على اختبارات هجومية يجريها بشر، نقاط ضعف في نماذج رائدة تدعم العربية أيضاً. ويشير ذلك إلى أن سلوك السلامة في الذكاء الاصطناعي لا ينتقل بصورة متسقة بين اللغات.

ووجد باحثو ASAS أيضاً أن أساليب تقييم السلامة المعتمدة على النماذج، بدلاً من البشر، كانت أقل موثوقية من تقييم الناطقين بالعربية. وهذا يعني أن الرقابة على الذكاء الاصطناعي العربي المتقدم ستتطلب مقيّمين بشريين مهرة يفهمون اللهجة والسياق والمقاصد الضمنية، بدلاً من الاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي لمراقبة أنظمة أخرى باللغة العربية.

أما التحدي الثاني فهو فجوة مؤسسية كبيرة في خبرات سلامة الذكاء الاصطناعي وحوكمته في الخليج، وهي خبرات لازمة للتعامل مع هذه التحديات المستقبلية. وستحتاج النماذج العربية المتقدمة إلى منظومة محلية أكثر رسوخاً للسلامة والحوكمة. وستحتاج الرياض وأبوظبي إلى مزيد من فرق الاختبار الهجومي الناطقة بالعربية، وباحثي المواءمة، والمتخصصين في اللسانيات الحاسوبية، ومصممي معايير التقييم، ومدققي النماذج، والمقيّمين المستقلين القادرين على اختبار الأنظمة في مواجهة أنماط إساءة الاستخدام الواقعية.

يتطلب ذلك أن تستثمر جهات متعددة، تشمل الحكومات والشركات والجامعات وجهات التقييم المستقلة، في تنمية هذه القدرات المعرفية باللغة العربية. فالرصيد الواسع من أبحاث سلامة الذكاء الاصطناعي وحوكمته متاح في معظمه بالإنجليزية، كما تعمل المؤسسات المعنية بمنع مخاطر النماذج المتقدمة بالإنجليزية واللغات الأوروبية.

وسيتطلب سد هذه الفجوة اهتماماً كبيراً بترجمة تلك المعرفة إلى العربية، وتزويد باحثي الذكاء الاصطناعي بأطر التقييم والمهارات اللازمة لإجراء أبحاث مماثلة في سلامة النماذج العربية المتقدمة.

الذكاء الاصطناعي العربي بوصفه مركزاً إقليمياً للتوزيع

إذا واصل الذكاء الاصطناعي العربي التحسن، فقد تصبح السعودية والإمارات حلقة مهمة في إتاحة النماذج وتشغيلها لدى مجموعة من الدول العربية. وفي هذا السيناريو، يمكن لمختبرات الذكاء الاصطناعي الخليجية أن تزوّد الحكومات والشركات في المنطقة بنماذج تدعم العربية ومكيّفة مع اللهجات والمتطلبات المحلية.

وسيؤدي اتساع الاستخدام إلى حلقة تغذية راجعة تُنتج بيانات جديدة عن التفاعلات باللغة العربية، وحالات الخطأ، وتفضيلات المستخدمين، وأمثلة خاصة بقطاعات محددة، يمكن توظيفها لاحقاً في التدريب اللاحق والتقييم. وقد يمنح ذلك الذكاء الاصطناعي العربي المطوّر في الخليج ميزة إقليمية تتراكم بمرور الوقت مقارنة بالنماذج المستوردة.

ومع اتساع نطاق التشغيل، ستراكم المؤسسات الخليجية مزيداً من البيانات العربية والخبرة العملية في أسواق مختلفة، بما قد يحسّن النماذج اللاحقة ويجعلها أكثر جاذبية لمستخدمين إضافيين في أنحاء المنطقة.

كما أن إتاحة النماذج وتشغيلها ستكمل طموحات الخليج في تصدير منظومته التقنية للذكاء الاصطناعي إلى دول أخرى في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تهدف شراكة G42 الإماراتية مع شركة بنية تكنولوجيز في مصر إلى تزويد القاهرة بقدرات الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية رقمية حيوية، تشمل مراكز البيانات وأبراج الاتصالات والتقنيات السحابية.

إذا استطاعت دول الخليج الجمع بين الحوسبة الإقليمية والبنية التحتية السحابية والنماذج العربية، فقد تصبح وسيطاً مهماً بين مطوّري النماذج المتقدمة عالمياً والأسواق العربية. ومن شأن ذلك أن يمنح الرياض وأبوظبي نفوذاً على البنية التحتية المادية وعلى طبقة تشغيل النماذج ضمن مسار تبنّي الذكاء الاصطناعي في العالم العربي، مع توسيع قاعدة البيانات والاستخدام الإقليمية المتاحة لأنظمتهما.

نُشر المقال أولاً في «قهوة في الصحراء» (Coffee in the Desert) في 15 سبتمبر 2026.

صعود الذكاء الاصطناعي العربي المتقدم | The Gulf AI Monitor